الشنقيطي
95
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
قال الباجي : وهل لمن يجوز له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر ؟ قال مالك : لا يشربها ولن تزيده إلا عطشا . وقال ابن القاسم : يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر ، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل ، وقاله ابن وهب . وقال ابن حبيب : من غص بطعام وخاف على نفسه ، فإن له أن يجوزه بالخمر ، وقاله أبو الفرج . أما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل . وإذا قلنا : إنه لا يجوز التداوي بها ويجوز استعمالها لإساغة الغصة ، فالفرق أن التداوي بها لا يتيقن به البرء من الجوع والعطش أه بنقل المواق في شرح قول خليل وخمر لغصة ، وما نقلنا عن مالك من أن الخمر لا تزيد إلا عطشا نقل نحوه النووي عن الشافعي ، قال : وقد نقل الروياني أن الشافعي - رحمه اللّه - نص على المنع من شربها للعطش ؛ معلّلا بأنها تجيع وتعطش . وقال القاضي أبو الطيب : سألت من يعرف ذلك فقال : الأمر كما قال الشافعي : إنها تروي في الحال ثم تثير عطشا عظيما . وقال القاضي حسين في تعليقه : قالت الأطباء الخمر تزيد في العطش وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد ، فحصل بما ذكرناه أنها لا تنفع في دفع العطش . وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسألة أنها لا تنفع في الدواء فثبت تحريمها مطلقا واللّه تعالى أعلم . أه من شرح المهذب . وبه تعلم أن ما اختاره الغزالي وإمام الحرمين من الشافعية ، والأبهري من المالكية ، من جوازها للعطش خلاف الصواب وما ذكره إمام الحرمين والأبهري من أنها تنفع في العطش خلاف الصواب أيضا ، والعلم عند اللّه تعالى . ومن مر ببستان لغيره فيه ثمار وزرع ، أو بماشية فيها لبن ، فإن كان مضطرا اضطرارا يبيح الميتة فله الأكل بقدر ما يرد جوعه إجماعا ، ولا يجوز له حمل شيء منه وإن كان غير مضطر ، فقد اختلف العلماء في جواز أكله منه . فقيل : له أن يأكل في بطنه من غير أن يحمل منه شيئا ، وقيل : ليس له ذلك ، وقيل : بالفرق بين المحوط عليه فيمنع ، وبين غيره فيجوز ، وحجة من قال بالمنع مطلقا ما ثبت عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم من عموم قوله : « إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا » « 1 » ، وعموم قوله تعالى : لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي بكرة : البخاري في العلم حديث 67 و 105 ، والحج حديث 1741 ، والمغازي -